المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شروط التوبة النصوح .


khalil300
18-Nov-2007, 03:18 PM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين ، أما بعد :
إن التوبة عبادة عظيمة من العبادات ، وهي كسائر العبادات ، وسائر العبادات يشترط لها ثلاثة شروط أساسية هي مطردة في كل العبادات ، وقد يضيفون شروطا أخر لافتقارها إليها يسمونها أركانا أو يسمونها شروطا ، وكذلك التوبة هنا ، فالتوبةُ التي أمر الله بها هي التوبةُ النصوحُ التي تشتمِلُ على شرَائطِ التوبةِ وهي سبعة (متضمنة الشروط الثلاثة) :
أما الشروط الثلاثة فهي :
الأول : الإسلام :
فالتوبة لا تصح من كافر وتصح من المسلم فقط . لأن كفر الكافر دليل على كذبه في ادعاء توبته ، وتوبة الكافر دخوله في الإسلام أولاً .قال تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموتُ قال إني تُبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً } النساء 18
الثاني : المتابعة :
، أن يكون العمل صوابا وفق الشريعة وهذا من الشروط العامة التي تشترط في كل عبادة ومنها التوبة ، أن تكون العبادة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا جاءت النصوص ، قال الله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – مرفوعا : [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ].
إذا لابد أن تكون التوبة على ما أمر الله ورسوله ،فلا تكون شركية ، ولا بدعية ، ولا محرمة :
لا تكون شركية : فلا يكون فيها ألفاظ شركية ، فلا تطلب التوبة من المخلوق كما يفعله النصارى مع قساوستهم ، فيأتون فيتوبون إليهم ، فيعطونهم صك غفران !! ، ولا تطلب من المقبور كما يفعله المشركون .
و لا تكون التوبة بدعية : أي لا يكون فيها بدعة من البدع ، كأن يعتقد أن التوبة لا تكون إلا في وقت محدد كالليل مثلا ، أو الصباح، أو ما تكون إلا في رمضان مثلا ، أو يعتقد أن التوبة لا تقبل إلا في مكان معين كالحرم المكي أو المدني ، ففي الصحيحين مرفوعا [ من أحدث في أمرنا ماليس منه فهو رد ].
ولا تكون توبة محرمة : أي أن يكون فيها شيء من المحرم كقوله مثلا : اللهم تب علي إن شئت !! ، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [إذا دعا أحدكم فلا يقل : اللهم اغفر لي إن شئت ، وليعزم المسألة ، وليعظم الرغبة ، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه ].
الثالث : أن تكونَ خالِصةً لله عزَّ وجلَّ :
بأن يكونَ الباعِثُ لها حبَّ الله وتعظيمَه ورجاءَ ثوابِه والخوفَ من عقابِه، فلا يريدُ بها شيئاً من الدَنيا ولا تزَلُّفاً عند مخلوقٍ، فإن أراد هذَا لم تقبلْ توبتُه لأنَّه لم يَتُبْ إلى الله وإنما تابَ إلى الغرضَ الَّذِي قصدَه.
قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ..}.
وفي الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ].
وأما الشروط الأخرى:
الرابع: الندم على ما سلف :
أن يكونَ نادماً حزِناً على ما سلفَ من ذنبه يتمنَّى أنه لم يحصلْ منه ، لأجلِ أن يُحدثَ له ذلكَ الندمُ إنابةً إلى الله وانكساراً بينَ يديه ومَقْتاً لنفسه التي أمَرَتْه بالسوءِ فتكونُ توبتُه عن عقيدةٍ وبصيرةِ.
وفي المسند عند ابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعا :
[الندم توبة].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – كما في الصحيحين ، وعند البيهقي ، واللفظ له :
[ إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن التوبة من الذنب: الندم والاستغفار ].الصحيحة 1208.
عن أبي أمامة مرفوعا – وحسنه الألباني – في " صحيح الجامع " : [ إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتبت واحدة].
الخامس: الإقلاع عن المعاصي :
أنْ يُقْلِعَ عن المعصيةِ فوراً، فإن كانتِ المعصيةُ بفعلِ محرمٍ تَرَكَهُ في الحالِ، وإن كانتْ المعصيةُ بتركِ واجبٍ فَعَله في الحالِ إنْ كان مما يمكن قضاؤه كالزكاةِ والحجِّ، فلا تصحُّ التوبةُ مع الإِصرارِ على المعصيةِ فلو قال: إنه تابَ من الرِّبا مثلاً وهو مستمرٌ على التعامُل به لم تصحَّ توبتُه ولم تكنْ هذه إلاَّ نَوْعَ استهزاءٍ بالله وآياتِه لا تزيدُه مِنَ الله إِلاَّ بُعداً. ولو تابَ من تركِ الصلاةِ مع الجماعةِ وهو مستمرٌ على تركِها لم تصح توبتُه.
وإذا كانتِ المعصيةُ فيما يتعلقُ بحقوقِ الخلقِ لم تصحَّ التوبةُ منها حتى يتخلَّصَ من تلك الحقوقِ، فإذا كانتْ معصيتُه بأخذِ مالٍ للغيرِ أو جحدِه لم تصح توبتُه حتى يؤدِّيَ المالَ إلى صاحبِه إن كان حيَّاً أو إلى ورثتِه إن كان ميتاً، فإن لم يكنْ له ورثةٌ أدَّاهُ إلى بيت المالِ، وإن كانَ لا يدري مَنْ صاحبُ المالِ تصدَّقَ به له والله سبحانَه يعلمُ بِه، وإن كانتْ معصيتُه بغِيْبَةِ مسلم وجبَ أن يَسْتحلَّهُ من ذلك إن كانَ قد علمَ بِغيبتِه إيَّاه أو خافَ أن يَعلَمَ بِها وإِلاَّ استغفَرَ له وأثْنَى عليهِ بصفاتِه المحمودةِ في المجلسِ الَّذِي اغتابَه فيه فإن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئاتِ.
وتصحُّ التوبةُ من ذنبٍ مَعَ الإِصرارِ على غيرِه، لأنَّ الأعمال تتبعَّضُ والإِيمانَ يتفاضلُ، لكن لا يستحقُّ الوصفَ المطلقَ للتوبةِ وما يستحقُّه التائبون على الإِطلاقِ من الأوصافِ الحميدةِ والمنازلِ العاليةِ حتى يتوبَ إلى الله من جميع الذنوبِ.
السادس: العزم على عدم العود :
أن يعزمَ على أن لا يعودَ في المستقبل إلى المعصيةِ؛ لأنَّ هذه ثمرةُ التوبةِ ودليلُ صِدْقِ صاحبِها. قإن قالَ: إنه تائبٌ وهو عازمٌ أو متردِّدٌ في فعلِ المعصيةِ يوماً مَّا لم تصح توبتُه لأنَّ هذه توبةٌ مُؤقَّتةٌ يتحَّينُ فيها صاحبُها الْفُرَصَ المناسبةَ ولا تدل على كراهيتِهِ للمعصيةِ وفرارِه منها إلى طاعةِ الله عزَّ وجلَّ.
السابع: أن تكون التوبة في وقت قبول التوبة :
فلا تكون التوبة بَعْدَ انتهاءِ وقتِ قبولِها ، فإن كانتْ بعد انتهاءِ وقتِ القبولِ لم تُقْبَلْ ،
وانتهاءُ وقتِ القبولِ نوعانِ : عامٌ لكلِّ أحدٍ وخاصٌ لكلِّ شخصٍ بنفسِه :
فأما العامُّ: فهو طلوعُ الشمسِ من مغربها، فإذا طلعتْ الشمسُ من مغربها لم تنفع التوبةُ. قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] والمرادُ ببعضِ الاياتِ طلوعُ الشمس من مغربها فسَّرَها بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلّم، وعن عبدالله بن عَمْرو بن العاصِ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «لا تزال التَّوبَةُ تُقْبَلُ حَتَّى تطلعَ الشَّمسُ من مغربها، فإذا طلعتْ طُبعَ على كلِّ قلبٍ بِما فيهِ وكفَى الناسَ العملُ». قال ابنُ كثيرٍ: حسنُ الإِسنادِ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ تابَ قبلَ أن تطلُعَ الشمس مِنْ مغربِها تاب الله عليه»، رواه مسلم.
وأما الخاصُّ: فهو عندَ حضورِ الأجلِ فمتَى حضر أجلُ الإِنسانِ وعاينَ الموتَ لم تنفعْه التوبةُ ولم تُقْبلْ منه. قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَـاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الاَْنَ} [النساء: 18] وعن عبدِالله بن عمرَ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إن الله يَقْبَلُ تَوبةَ العبدِ ما لَمْ يُغرغِرْ» يعني بِرُوحِه، رواه أحمدُ والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
وَمَتَى صحَّتِ التوبةُ باجتماع شروطِها وقُبِلتْ محا الله بها ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي تابَ منه وإنْ عَظُمَ ، قال الله تعالى: {قُلْ يعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 35].].
اللهم امنن علينا بتوبة نصوح تمحو به ما كان منا في الزمان الأولِ ، إنك أنت التواب الرحيم ،
واصفح اللهم عنا واعف إنك أنت العفو الكريم .
وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.