oO RifLand Oo
02-Feb-2008, 02:45 PM
http://forum.te3p.com/uploaded4/107168_01197483091.gif
ظهور الخوارج
تعتبر ظاهرة الخوارج أول ظاهرة تطرف في الإسلام و هؤلاء كانو من أجلاف ربيعة و ذوي العداء التقليدي لمضر التي منها قريش و عامة الصحابة، و هم أشد العرب غلظة و جهلاً و قسوة ]الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفَاقاً، وَ أَجْدَرُ أَلاًّ يَعْلَمُو حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[[13] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn13).
و هؤلاء لم يكن لتجمعهم عقيدة و لا مذهب و لا عصبية، و إنما حب القتال و استباحة الدماء و التشدد على النفس و تكفير الناس. فلم يجتمعو تحت راية أو زعيم و إنما كفَّرو المسلمين ثم كفَّرو بعضهم البعض. و قد جاء فيهم الكثير من الأحاديث الشريفة:
روى البخاريعَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ r قَالَ: لا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ –وَ لَمْ يَقُلْ مِنْهَا– قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ يقرؤون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ.
و روى مسلم أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r وَ هُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «وَ يْلَكَ! وَ مَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَ خَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟!». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَ صِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَ هُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَ الدَّمَ. آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ. يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r. وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ t قَاتَلَهُمْ وَ أَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ r الَّذِي نَعَتَ.
و عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ r ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ قَالَ: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» (لاحظ أن كلا الطائفتين على حق). قَالَ فَضَرَبَ النَّبِيُّ r لَهُمْ مَثَلاً أَوْ قَالَ قَوْلاً «الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ» أَوْ قَال: «الْغَرَضَ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً وَ يَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلا يَرَى بَصِيرَةً وَ يَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً». قَالَ أَبُو سَعِيد: وَ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ.
و قال رَسُولِ اللَّهِ r «يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الأَعْمَالَ يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ». قَالَ يَزِيدُ لا أَعْلَمُ إِلا قَالَ «يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ. يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ. فَإِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ. فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ. كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ». فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَا أَسْمَعُ. أخرجه أحمد.
و يمكننا الاستنتاج من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها البخاري و مسلم و غيرهما أن صفات الخوراج هي:
1. حُدَثَاءُ الأَسْنَان، و هذه كناية عن صغر السن. و المقصود هو قلة العلم الشرعي عندهم.
2. سُفَهَاءُ الأَحْلامِ.
3. يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قوْلِ الْبَرِيَّةِ. فلم يعب عليهم أقوالهم إنما عاب عليهم أفعالهم الشنيعة. فقد عمدو إلى الآيات التي نزلت في القرآن فجعلوها على المسلمين فاستحلو دمائهم.
4. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ.
5. يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ.
6. يُسِيئُونَ الأَعْمَالَ.
7. يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ. فلا يشتد ساعدهم إلا في وقت الفتنة، فكان لهم دور كبير في إضعاف الدولة الأموية في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
8. يقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ. و هذا شر أعمالهم. و لذلك سماهم رسول الله r بكلاب النار و أمر بقتلهم و استئصال شأفتهم. و كل من انطبق عليه هذه الوصف أنه يقل المسلمين و يدع الكافرين فهو من الخوراج.
بشكل عام كان الخوارج دوماً مصدر إقلاق لأمن الدولة الأموية على أنهم لم يستطيعو أن يكوِّنو دولة لافتقارهم إلى عصبية تجمعهم. فقد تفرق شملهم إلى جماعات صغيرة قليلة العدد تكفر بعضهاً بعضاً. و قتل كثير من زعمائهم على يد أتباعهم، فجعل الله بأسهم بين بعضهم بعضاً.
الفرق بين الخوارج و البغاة
و هذا باب في غاية الأهمية لكثرة ما يحدث اليوم من خلط بين هاتين الفرقتين لأغراضٍ سياسية. فيزعم هؤلاء أن كل من يخرج على أي إمام جائر أنه من الخوارج، و لكن كلام المحققين من أهل العلم يخالف ذلك. فليس من علاقة مباشرة بين الخوارج و بين الخروج على السلطان، إذ إن ذم الخوارج في الحديث جاء لأنهم يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان. أي أن سبب ضلالهم هو استحلالهم لدماء المسلمين. و لذلك لما خرجو على علي t و كفروه و صارو يصيحون عليه و هو يخطب بالمسجد، لم يمنعهم من المساجد بل قال لأصحابه لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم. و لذلك انتظر حتى قتلو عبد الله بن خباب فقتلهم بدمه. أما من يخرج على السلطان المسلم فيُسمى بالباغي. و الفرق شاسعٌ بين الفرقتين. إذ أن البغي ليس فسوقٌ بالضرورة كما أفضنا سابقاً.
و جمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين و بين أهل الجمل و صفين. فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي r أنه قال: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. يَقْتُلُهَا أَوْلَىَ الطّائِفَتَيْنِ بِالْحَقّ». و هذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة و يبين أن المارقين نوع ثالث ليسو من جنس أولئك، فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية. و قال r في حق الخوارج المارقين: «فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[14] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn14). و قال أيضاً: «لو يعلم الذين يقاتلونهم مالهم على لسان نبيهم لاتَّكَلو عن العمل». قال إبن تيمية: «فمن سَوّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلو بالجمل و صفين، و بين قتال ذي الخويصرة التميمي و أمثاله من الخوارج المارقين و الحرورية المعتدين: كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل و الظلم المبين، و لزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة و المعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل و صفين كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين. فقد اختلف السلف و الأئمة في كفرهم على قولين مشهورين مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل و صفين و الإمساك عما شجر بينهم. فكيف نسبة هذا بهذا!»[15] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn15).
قضية رمي الدعاة بأنهم خوارج
فالصواب إذاً أنه ليس كل من يخرج عن الإمام الجائر يكون من الخوارج إن لم يكن متبنياً آراء الخوارج المعروفة أو عنده غلو في تكفير مرتكب الكبيرة. أما البغاة فلهم تفصيل من حيث أن لهم شوكة و عصبية أم ليس لهم شوكة؟ وهل خرجو على إمام جائر أم إمام عادل؟ و هل هم جائرون أم عُدُول؟ و سيأتي الكلام عن بعض ذلك بإذن الله.
أما بالنسبة لبعض جماعات الغلو التي تظهر بمظهر الغلو كما حصل في جماعة التكفير و الهجرة[16] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn16) و كما يرد شيئا من ذلك أحياناً في الجماعة الإسلامية المسلحة[17] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn17) في الجزائر و غيرها. فهذه الجماعات تكون مشابـهة الخوارج في غلوها و تكفيرها لمرتكب الكبيرة و إن كنا لا نعتبرها امتداداً تاريخياً للخوارج. و من ناحية أخرى ينبغي أيضاً أن لا ننساق وراء الإعلام الشرقي و الغربي حينما يضخم مثل هذه الأشياء التي قد تكون في بعض البلدان حالات فردية محدودة فتضخم و كأنها تياراً كبيراً و مؤثراً. و الواقع أن في كثير من بلاد لمسلمين لا توجد هذه الجماعات بهذا الحجم الذي قد نجده في الصحافة و لم يوجد بـهذا الحجم الكبير إلا ما حصل من جماعة التكفير و الهجرة في مصر، حيث صار لها كتب و آراء و منظرين و نحو ذلك. أما من بعدهم فمجرد جماعات محدودة لا تقوم على أسس علمية أو ترجع لرموز علمية معتبرة. و سبب هذه المبالغة هو إعطاء ذريعة للأنظمة الكفرية بضرب تلك الحركات الإسلامية تحت غطاء أنها جماعات تكفيرية خوارجية!
و الذين يخرجون على السلطان الكافر ليسو خوارج بالإجماع و لا حتى بغاة. و إعانة الكفار عليهم كفر أكبر، لأن تولي الكفار و إعانتهم على دماء المسلمين كفر بالله العظيم. إذ قال الله تعالى في سورة المائدة: ]تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ {80} وَ لَـوْ كَانُو يُؤْمِنُونَ بِالله و النَّبِيِّ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ، مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَ لَـــكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {81}[. و قال كذلك: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْ لاَ تَتَّخِذُوْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51}[. و نقل ابن حزم إجماع المسلمين على إجراء هذه الآية على ظاهرها و أن من يعين الكفار على حرب المسلمين فهو كافر كفر أكبر.
و من صور هذه الإعانة أيضاً ذكر مساوئ المسلم عمداً بغرض إعطاء الكافر مبرّراً لسفك دمه. و اعتبر بقصة أبي معبد الجهني أحد التابعين المخضرين الكرام[18] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn18)، كان في زمن عثمان بن عفان t يحدّث الناس و يذكر لهم بعض مآخذه على عثمان t، رغم إنه كان يحب عثمان t حباً شديداً كما أخبر بذلك ابنه. فاستغل هذه المآخذ أصحاب الفتنة من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، فألّبو الناس على عثمان t، فاستجاب بعض الناس لهم، ثم قامو على عثمان t فقتلوه وهو يقرأ كتاب الله. و لما حدث ذلك لعثمان، و راجع حساباته، فقال كلمته المشهورة: «و الله لا أعين على دم عثمان أبداً». فقيل له: «أوَ أعنت على دم عثمان؟». فقال: «إني لأرى ذكر مساوئ الرجال عوناً على دمه»[19] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn19).
ولعلّ من نافلة القول أن يسأل سائل: أين الخوارج اليوم، وهل لهم من وجود؟! و نقول أن فرق الخوراج كلها انقرضت إلا فرقة الإباضية في عُمان. و الإباضية اليوم هم أقرب للمعتزلة منهم للخوارج، فمن الأصح عدم تسميتهم بالخوارج بل بالمعتزلة. و الحديث عن فرقة الخوارج هذه الأيّام هو حديث عن ماضٍ مؤلم، أضاعت فيه هذه الفرقة الطاغية من دماء الأبرياء و حياة الأتقياء و أموال المسلمين ما لا يُحصيه إلاّ الله سبحانه و تعالى. وصرفت الخلافة عن قتال أعداء الله و المسلمين إلى دفع شرورهم و التصدّي لهم، و حالت دون الدعوة إلى الله سبحانه.
و هكذا حال أصحاب البدع و الضلالات قديماً و حديثاً يستنفذون طاقات الأمّة، و يضيّعون جهودها بإخماد نار فتنتهم عمليّاً بتجييش الجيوش و علميّاً بردود العلماء عليهم و بيان ضلالاتهم. وأمّا حديثاً ففي هدر طاقات الشباب المسلم و تمزيق شملهم و هم أحوج ما يكونون للاجتماع و التصدّي لأعداء الله سبحانه و تعالى من المنصّرين و المنافقين و أصحاب الضلالات من الفرق المارقة عن الدين من بهائيين و قاديانيين و قوميين و قبوريين و غيرهم كثير.
و لذلك أولى الناس بلقب الخوارج هم الذين يقومون بتبديع الجماعات الإسلامية و الدعاة و العلماء و إبراز مثالبهم، مع غض النظر عن الطواغيت و أعداء الأمة بل و تبرير جرائمهم. و الخوارج معروفون على مدى التاريخ باحترامهم و توقيرهم لأعداء الأمة. بل و زاد الخوراج المعاصرون عن القدامى أنهم يستعينون بالكفار على أهل التوحيد، كما وصفهم رسول الله r بأنهم يقتلون أهل التوحيد و يدعون أهل الأصنام. و لعلّ الأحباش هم أوضح مثال على هؤلاء، و عليهم قِس في كلّ بلد، و ما أكثرهم و إن تعددت صورهم.
هنا نطرح سؤال مفيدا و هو: هل يوجد خوارج في هذا العصر؟ وما أصولهم؟ و قد أجمل الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشايجي سماتهم في كتابه النافع "الخطوط العريضة لأصول أدعياء السلفية الجديدة"، فقال ما معناه: أصول الخوارج و منهجهم و سماتهم العامة:
1) التكفير بالمعاصي (الكبائر) و إلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام و الدار و المعاملة و القتال، لا سيما الدعاة المصلحين منهم.
2) الخروج على جماعة المسلمين و معاملتهم معاملة الكفار في الدار و الأحكام، و البراء منهم و امتحانهم و استحلال دمائهم.
3) ألغو أحكام الجهاد الشرعية و جعلو كل من أراد أن يخرج على حاكم أو يقاتل شعبه فهو من الخوارج.
4) صرف نصوص الأمر بالصبر على جور حكام المسلمين عن ظاهرها، و تنزيلها على الطواغيت المبدلين لشرع الله و دينه.
5) كثرة القراء الجهلة فيهم و الأعراب، و أغلبهم كما وصفهم النبي r: «حُدَثَاءُ الأَسْنَان، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ».
6) عدم ظهور سيما الصالحين عليهم، و كثرة العبادة كالصلاة و الصيام، و أثر السجود، و لا يجيدون غير تشمير الثياب، و يقل فيهم الورع و الفقه و الصدق و الزهد، مع التشدد و التنطع في الدين.
7) ضعف الفقه في الدين و قلة الحصيلة من العلم الشرعي، كما وصفهم النبي r ( يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ).
8) ليس فيهم من الأئمة و العلماء و أهل الفقه في الدين أحد.
9) الغرور و التعالم و التعالي على العلماء، حتى زعمو أنهم أعلم من سائر الصحابة، و التقو على الأحداث الصغار و الجهلة قليلي العلم.
10) الخلل في منهج الاستدلال، حيث أخذو بآيات الوعد و تركو آيات الوعيد، و استدلو بالآيات الواردة في المسلمين و جعلوها في الطواغيت، و العكس بالعكس. كما قال فيهم ابن عمر r: «انطلقو إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين». أي أنهم ينزلون الآيات على غير منازلها.
11) سرعة التقلب و اختلاف الرأي و تغييره (أحقاد بلا علم و لا فقه). لذلك يكثر تنازعهم و افتراقهم فيما بينهم، و إذا اختلفو تفاصلو و تقاتلو. فلا يكاد أحدهم يتفق مع الآخر إلا في تبديع المخالفين لهم جميعاً.
12) سرعة إطلاق الحكم على المخالف بلا تثبيت.
13) الحكم على القلوب و اتهامها، و منه الحكم باللوازم و الظنون.
14) القوة و الخشونة و الجلد و الجفاء و الغلظة في الأحكام و التعامل و الجدال.
15) قصر النظر و ضيق العطن و قلة الصبر، و استعجال النتائج.
16) يقتلون أهل الإسلام لا سيما الدعاة المخلصون و يخاصمونهم، و يدعون أهل الأوثان و الطواغيت، كما جاء وصفهم في الحديث.
17) تعظيمهم و تأييدهم لبطش الحكومات بالإسلاميين و الثوار على الظلم، و يسمون ذلك جهاداً.
http://www5.0zz0.com/2008/01/06/23/332443061.gif
ظهور الخوارج
تعتبر ظاهرة الخوارج أول ظاهرة تطرف في الإسلام و هؤلاء كانو من أجلاف ربيعة و ذوي العداء التقليدي لمضر التي منها قريش و عامة الصحابة، و هم أشد العرب غلظة و جهلاً و قسوة ]الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفَاقاً، وَ أَجْدَرُ أَلاًّ يَعْلَمُو حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[[13] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn13).
و هؤلاء لم يكن لتجمعهم عقيدة و لا مذهب و لا عصبية، و إنما حب القتال و استباحة الدماء و التشدد على النفس و تكفير الناس. فلم يجتمعو تحت راية أو زعيم و إنما كفَّرو المسلمين ثم كفَّرو بعضهم البعض. و قد جاء فيهم الكثير من الأحاديث الشريفة:
روى البخاريعَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ r قَالَ: لا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ: يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ –وَ لَمْ يَقُلْ مِنْهَا– قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ يقرؤون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ أَوْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ.
و روى مسلم أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r وَ هُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «وَ يْلَكَ! وَ مَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتُ وَ خَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟!». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ t: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ وَ صِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ. يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ وَ هُوَ الْقِدْحُ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَ الدَّمَ. آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَتَدَرْدَرُ. يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r. وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ t قَاتَلَهُمْ وَ أَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ r الَّذِي نَعَتَ.
و عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ r ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ قَالَ: «هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» (لاحظ أن كلا الطائفتين على حق). قَالَ فَضَرَبَ النَّبِيُّ r لَهُمْ مَثَلاً أَوْ قَالَ قَوْلاً «الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ» أَوْ قَال: «الْغَرَضَ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً وَ يَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلا يَرَى بَصِيرَةً وَ يَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً». قَالَ أَبُو سَعِيد: وَ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ.
و قال رَسُولِ اللَّهِ r «يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الأَعْمَالَ يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ». قَالَ يَزِيدُ لا أَعْلَمُ إِلا قَالَ «يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ. يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ. فَإِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُو فَاقْتُلُوهُمْ. فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ. كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ». فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَا أَسْمَعُ. أخرجه أحمد.
و يمكننا الاستنتاج من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها البخاري و مسلم و غيرهما أن صفات الخوراج هي:
1. حُدَثَاءُ الأَسْنَان، و هذه كناية عن صغر السن. و المقصود هو قلة العلم الشرعي عندهم.
2. سُفَهَاءُ الأَحْلامِ.
3. يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قوْلِ الْبَرِيَّةِ. فلم يعب عليهم أقوالهم إنما عاب عليهم أفعالهم الشنيعة. فقد عمدو إلى الآيات التي نزلت في القرآن فجعلوها على المسلمين فاستحلو دمائهم.
4. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ.
5. يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ.
6. يُسِيئُونَ الأَعْمَالَ.
7. يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ. فلا يشتد ساعدهم إلا في وقت الفتنة، فكان لهم دور كبير في إضعاف الدولة الأموية في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
8. يقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ. و هذا شر أعمالهم. و لذلك سماهم رسول الله r بكلاب النار و أمر بقتلهم و استئصال شأفتهم. و كل من انطبق عليه هذه الوصف أنه يقل المسلمين و يدع الكافرين فهو من الخوراج.
بشكل عام كان الخوارج دوماً مصدر إقلاق لأمن الدولة الأموية على أنهم لم يستطيعو أن يكوِّنو دولة لافتقارهم إلى عصبية تجمعهم. فقد تفرق شملهم إلى جماعات صغيرة قليلة العدد تكفر بعضهاً بعضاً. و قتل كثير من زعمائهم على يد أتباعهم، فجعل الله بأسهم بين بعضهم بعضاً.
الفرق بين الخوارج و البغاة
و هذا باب في غاية الأهمية لكثرة ما يحدث اليوم من خلط بين هاتين الفرقتين لأغراضٍ سياسية. فيزعم هؤلاء أن كل من يخرج على أي إمام جائر أنه من الخوارج، و لكن كلام المحققين من أهل العلم يخالف ذلك. فليس من علاقة مباشرة بين الخوارج و بين الخروج على السلطان، إذ إن ذم الخوارج في الحديث جاء لأنهم يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان. أي أن سبب ضلالهم هو استحلالهم لدماء المسلمين. و لذلك لما خرجو على علي t و كفروه و صارو يصيحون عليه و هو يخطب بالمسجد، لم يمنعهم من المساجد بل قال لأصحابه لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم. و لذلك انتظر حتى قتلو عبد الله بن خباب فقتلهم بدمه. أما من يخرج على السلطان المسلم فيُسمى بالباغي. و الفرق شاسعٌ بين الفرقتين. إذ أن البغي ليس فسوقٌ بالضرورة كما أفضنا سابقاً.
و جمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين و بين أهل الجمل و صفين. فقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي r أنه قال: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. يَقْتُلُهَا أَوْلَىَ الطّائِفَتَيْنِ بِالْحَقّ». و هذا الحديث يتضمن ذكر الطوائف الثلاثة و يبين أن المارقين نوع ثالث ليسو من جنس أولئك، فإن طائفة علي أولى بالحق من طائفة معاوية. و قال r في حق الخوارج المارقين: «فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[14] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn14). و قال أيضاً: «لو يعلم الذين يقاتلونهم مالهم على لسان نبيهم لاتَّكَلو عن العمل». قال إبن تيمية: «فمن سَوّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلو بالجمل و صفين، و بين قتال ذي الخويصرة التميمي و أمثاله من الخوارج المارقين و الحرورية المعتدين: كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل و الظلم المبين، و لزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة و المعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل و صفين كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين. فقد اختلف السلف و الأئمة في كفرهم على قولين مشهورين مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل و صفين و الإمساك عما شجر بينهم. فكيف نسبة هذا بهذا!»[15] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn15).
قضية رمي الدعاة بأنهم خوارج
فالصواب إذاً أنه ليس كل من يخرج عن الإمام الجائر يكون من الخوارج إن لم يكن متبنياً آراء الخوارج المعروفة أو عنده غلو في تكفير مرتكب الكبيرة. أما البغاة فلهم تفصيل من حيث أن لهم شوكة و عصبية أم ليس لهم شوكة؟ وهل خرجو على إمام جائر أم إمام عادل؟ و هل هم جائرون أم عُدُول؟ و سيأتي الكلام عن بعض ذلك بإذن الله.
أما بالنسبة لبعض جماعات الغلو التي تظهر بمظهر الغلو كما حصل في جماعة التكفير و الهجرة[16] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn16) و كما يرد شيئا من ذلك أحياناً في الجماعة الإسلامية المسلحة[17] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn17) في الجزائر و غيرها. فهذه الجماعات تكون مشابـهة الخوارج في غلوها و تكفيرها لمرتكب الكبيرة و إن كنا لا نعتبرها امتداداً تاريخياً للخوارج. و من ناحية أخرى ينبغي أيضاً أن لا ننساق وراء الإعلام الشرقي و الغربي حينما يضخم مثل هذه الأشياء التي قد تكون في بعض البلدان حالات فردية محدودة فتضخم و كأنها تياراً كبيراً و مؤثراً. و الواقع أن في كثير من بلاد لمسلمين لا توجد هذه الجماعات بهذا الحجم الذي قد نجده في الصحافة و لم يوجد بـهذا الحجم الكبير إلا ما حصل من جماعة التكفير و الهجرة في مصر، حيث صار لها كتب و آراء و منظرين و نحو ذلك. أما من بعدهم فمجرد جماعات محدودة لا تقوم على أسس علمية أو ترجع لرموز علمية معتبرة. و سبب هذه المبالغة هو إعطاء ذريعة للأنظمة الكفرية بضرب تلك الحركات الإسلامية تحت غطاء أنها جماعات تكفيرية خوارجية!
و الذين يخرجون على السلطان الكافر ليسو خوارج بالإجماع و لا حتى بغاة. و إعانة الكفار عليهم كفر أكبر، لأن تولي الكفار و إعانتهم على دماء المسلمين كفر بالله العظيم. إذ قال الله تعالى في سورة المائدة: ]تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوْ، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ {80} وَ لَـوْ كَانُو يُؤْمِنُونَ بِالله و النَّبِيِّ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ، مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَ لَـــكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {81}[. و قال كذلك: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْ لاَ تَتَّخِذُوْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51}[. و نقل ابن حزم إجماع المسلمين على إجراء هذه الآية على ظاهرها و أن من يعين الكفار على حرب المسلمين فهو كافر كفر أكبر.
و من صور هذه الإعانة أيضاً ذكر مساوئ المسلم عمداً بغرض إعطاء الكافر مبرّراً لسفك دمه. و اعتبر بقصة أبي معبد الجهني أحد التابعين المخضرين الكرام[18] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn18)، كان في زمن عثمان بن عفان t يحدّث الناس و يذكر لهم بعض مآخذه على عثمان t، رغم إنه كان يحب عثمان t حباً شديداً كما أخبر بذلك ابنه. فاستغل هذه المآخذ أصحاب الفتنة من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، فألّبو الناس على عثمان t، فاستجاب بعض الناس لهم، ثم قامو على عثمان t فقتلوه وهو يقرأ كتاب الله. و لما حدث ذلك لعثمان، و راجع حساباته، فقال كلمته المشهورة: «و الله لا أعين على دم عثمان أبداً». فقيل له: «أوَ أعنت على دم عثمان؟». فقال: «إني لأرى ذكر مساوئ الرجال عوناً على دمه»[19] (http://www.islamicweb.com/goldenbook/islamic_6.htm#_ftn19).
ولعلّ من نافلة القول أن يسأل سائل: أين الخوارج اليوم، وهل لهم من وجود؟! و نقول أن فرق الخوراج كلها انقرضت إلا فرقة الإباضية في عُمان. و الإباضية اليوم هم أقرب للمعتزلة منهم للخوارج، فمن الأصح عدم تسميتهم بالخوارج بل بالمعتزلة. و الحديث عن فرقة الخوارج هذه الأيّام هو حديث عن ماضٍ مؤلم، أضاعت فيه هذه الفرقة الطاغية من دماء الأبرياء و حياة الأتقياء و أموال المسلمين ما لا يُحصيه إلاّ الله سبحانه و تعالى. وصرفت الخلافة عن قتال أعداء الله و المسلمين إلى دفع شرورهم و التصدّي لهم، و حالت دون الدعوة إلى الله سبحانه.
و هكذا حال أصحاب البدع و الضلالات قديماً و حديثاً يستنفذون طاقات الأمّة، و يضيّعون جهودها بإخماد نار فتنتهم عمليّاً بتجييش الجيوش و علميّاً بردود العلماء عليهم و بيان ضلالاتهم. وأمّا حديثاً ففي هدر طاقات الشباب المسلم و تمزيق شملهم و هم أحوج ما يكونون للاجتماع و التصدّي لأعداء الله سبحانه و تعالى من المنصّرين و المنافقين و أصحاب الضلالات من الفرق المارقة عن الدين من بهائيين و قاديانيين و قوميين و قبوريين و غيرهم كثير.
و لذلك أولى الناس بلقب الخوارج هم الذين يقومون بتبديع الجماعات الإسلامية و الدعاة و العلماء و إبراز مثالبهم، مع غض النظر عن الطواغيت و أعداء الأمة بل و تبرير جرائمهم. و الخوارج معروفون على مدى التاريخ باحترامهم و توقيرهم لأعداء الأمة. بل و زاد الخوراج المعاصرون عن القدامى أنهم يستعينون بالكفار على أهل التوحيد، كما وصفهم رسول الله r بأنهم يقتلون أهل التوحيد و يدعون أهل الأصنام. و لعلّ الأحباش هم أوضح مثال على هؤلاء، و عليهم قِس في كلّ بلد، و ما أكثرهم و إن تعددت صورهم.
هنا نطرح سؤال مفيدا و هو: هل يوجد خوارج في هذا العصر؟ وما أصولهم؟ و قد أجمل الشيخ الدكتور عبد الرزاق الشايجي سماتهم في كتابه النافع "الخطوط العريضة لأصول أدعياء السلفية الجديدة"، فقال ما معناه: أصول الخوارج و منهجهم و سماتهم العامة:
1) التكفير بالمعاصي (الكبائر) و إلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام و الدار و المعاملة و القتال، لا سيما الدعاة المصلحين منهم.
2) الخروج على جماعة المسلمين و معاملتهم معاملة الكفار في الدار و الأحكام، و البراء منهم و امتحانهم و استحلال دمائهم.
3) ألغو أحكام الجهاد الشرعية و جعلو كل من أراد أن يخرج على حاكم أو يقاتل شعبه فهو من الخوارج.
4) صرف نصوص الأمر بالصبر على جور حكام المسلمين عن ظاهرها، و تنزيلها على الطواغيت المبدلين لشرع الله و دينه.
5) كثرة القراء الجهلة فيهم و الأعراب، و أغلبهم كما وصفهم النبي r: «حُدَثَاءُ الأَسْنَان، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ».
6) عدم ظهور سيما الصالحين عليهم، و كثرة العبادة كالصلاة و الصيام، و أثر السجود، و لا يجيدون غير تشمير الثياب، و يقل فيهم الورع و الفقه و الصدق و الزهد، مع التشدد و التنطع في الدين.
7) ضعف الفقه في الدين و قلة الحصيلة من العلم الشرعي، كما وصفهم النبي r ( يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ).
8) ليس فيهم من الأئمة و العلماء و أهل الفقه في الدين أحد.
9) الغرور و التعالم و التعالي على العلماء، حتى زعمو أنهم أعلم من سائر الصحابة، و التقو على الأحداث الصغار و الجهلة قليلي العلم.
10) الخلل في منهج الاستدلال، حيث أخذو بآيات الوعد و تركو آيات الوعيد، و استدلو بالآيات الواردة في المسلمين و جعلوها في الطواغيت، و العكس بالعكس. كما قال فيهم ابن عمر r: «انطلقو إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين». أي أنهم ينزلون الآيات على غير منازلها.
11) سرعة التقلب و اختلاف الرأي و تغييره (أحقاد بلا علم و لا فقه). لذلك يكثر تنازعهم و افتراقهم فيما بينهم، و إذا اختلفو تفاصلو و تقاتلو. فلا يكاد أحدهم يتفق مع الآخر إلا في تبديع المخالفين لهم جميعاً.
12) سرعة إطلاق الحكم على المخالف بلا تثبيت.
13) الحكم على القلوب و اتهامها، و منه الحكم باللوازم و الظنون.
14) القوة و الخشونة و الجلد و الجفاء و الغلظة في الأحكام و التعامل و الجدال.
15) قصر النظر و ضيق العطن و قلة الصبر، و استعجال النتائج.
16) يقتلون أهل الإسلام لا سيما الدعاة المخلصون و يخاصمونهم، و يدعون أهل الأوثان و الطواغيت، كما جاء وصفهم في الحديث.
17) تعظيمهم و تأييدهم لبطش الحكومات بالإسلاميين و الثوار على الظلم، و يسمون ذلك جهاداً.
http://www5.0zz0.com/2008/01/06/23/332443061.gif